ابن العربي
738
أحكام القرآن
بعث محمدا بالهدى ودين الحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم ، وإنه لجبريل نزل عليكم في صورة دحية الكلبي ، يعلّمكم أمر دينكم . المسألة السادسة - قال السدّى : المراد بهذا خزائن الغيب . وقال ابن عباس : مفاتيح الغيب خمس ، وقرأ الآيات الخمس المتقدمة . وقال بعضهم : هو ما يتوصّل به إلى علم الغيب من قول الناس : افتح علىّ كذا ؛ أي أعطني ، أو علّمنى ما أتوصّل [ به ] « 1 » إليه . فأما قول السدى : إن المراد بالمفاتح الخزائن فمجاز بعيد . وأما قول ابن عباس فعلم سديد من فكّ شديد . وأما قول الثالث فأنكره شيخنا النحوي نزيل مكة ، وقال : أجمعت - أي الفرقة السالفة الصالحة من الأمّة - على غيره ؛ وذلك من قولهم أصحّ وأولى . وأظنه لم يفهم المقصود من هذا القول ، ولا اغتزى فيه المغزى « 2 » ، ولقد ألحم فيه الصواب وسدّى ، وإذا منحته نقدا لم تعدم فيه هدى ؛ عند اللّه تعالى علم الغيب ، وبيده الطرق الموصلة إليه ، لا يملكها إلّا هو ؛ فمن شاء اطلاعه عليها أطلعه ، ومن شاء حجبه عنها حجبه ، فلا يكون ذلك من إفاضته إلّا على رسله ، بدليل قوله سبحانه « 3 » : وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ . المسألة السابعة - مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا اللّه لا أمارة عليها ، ولا علامة عليها ، إلا ما أخبر به الصادق المجتبى لاطلاع الغيب من أمارات الساعة ، والأربعة سواها لا أمارة عليها ؛ فكلّ من قال : إنه ينزل الغيث غدا فهو كافر ، أخبر عنه بأمارات ادّعاها ، أو بقول مطلق . ومن قال : إنه يعلم ما في الرّحم فهو كافر ؛ فأما الأمارة على هذا فتختلف ؛ فمنها كفر ، ومنها تجربة ، والتجربة منها أن يقول الطبيب : إذا كان الثدي الأيمن مسودّ الحلمة فهو ذكر ، وإن كان ذلك في الثدي الأيسر فهو أنثى ؛ وإن كانت المرأة تجد الجنب
--> ( 1 ) من ل . ( 2 ) في ل : ولا اعتزى فيه المعزى . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية 179